الكاتب : الهنداوي || بتاريخ : الأربعاء 31-12-1969
مباهج العراقيين ..بقلم:فيصل لعيبي
بعيد عن المحاصصة والطائفية والنعرات القومية الضيقة والشوفينية المقيتة ، بجهود فردية وخاصة وبتعاون الخيّرين من أبناء العراق في منافيهم البعيدة في إقامة فضاءً للفرح والجمال.

فقد أصبح تقليداً ثابتاً لدى نادي الرافدين العراقي الثقافي في برلين ، أن يقيم مهرجاناً للفرح العراقي المثمر، بعد أن خيّم على العراق الحزن من أقصاه الى أقصاه وامتلأت شوارعه بطوابير بمئات الألوف من اللطّامة وأصحاب الزناجيل والقامات ، بمناسبة وبدون مناسبة، لإضهار المازوخية الدينية المتعطشة للدماء والإنتقام من عدو مضى على إنقراضه أكثر من ثلاثة عشر قرناً.

لقدفكك الطائفيون من مختلف الأصناف والقوميون من مختلف العروق والمتدينون من مختلف الأديان من المتعصبين لإنتمائاتهم ، ما هومشترك وموحد لأبناء وادي الرافدين الغني بالتنوع والخصب بالعقول والكريم في العطاء، فلم يعد يحق لنا أن نجلس مع بعضنا ولا أن نتحاور في شؤوننا المشتركة ولا حتى بمستقبل الأيام القادمة، إذ حدد هؤلاء المتوحشون حركة الحياة عندنا.

في مثل هذه الأجواء المليئة برائحة البارود والغازات السامة والمتفجرات والإرهاب المنفلت الذي يصاحبه فساد في الذمم والإقتصاد وسرقة المال العام وإرتكاب الموبقات من شتى الأنواع ومن قبل دعاة الدين والقومية وأصحاب الأصل والفصل بالذات، كما يدعون ، يقيم العراقيون في برلين مهرجانات الفرح والحبور ، تعبيراً عن الوجه الحقيقي لأبناء أرض الحضارات .

فقد التم شمل كوكبة من مبدعي العراق الذين لم يفقدوا جذوة الحياة ولم يستسلموا لروح الحقد والكراهية المنتشرة في صفوف القوى المتحكمة في عراقنا اليوم، ولم يضعفوا امام التلويح بالمناصب والإمتيازات التي وزعت على الجهلة والأميين وكل من هب ودب.

تجمع هؤلاء في حديقة الحياة المثمرة وأطلقوا لأرواحهم العنان كي تطير في عوالم السعادة التي تغمرهم دائماً والتي لو عرف الحاكمون بما نحن فيه من جذل لقاتلونا عليه.

التقى الأصدقاء القدامى والأصدقاء الجدد، الشباب بالشيوخ والرجال بالنساء متنافسين على تقديم ما هو جميل ومزهر وبديع، وكأنهم في سباق للخير والمحبة والسلام، الكل يفيض بالعطاء والخصب والثراء، لا مجال للتماهل في تقديم ما هو نافع وجليل ومفعم بالخير والمحبة.

******************

اليوم هو يوم الخميس، المصادف 20 آب من عام 2009، الكل حاضرفي إنتظار بدء المهرجان ... لحظات ترقب وتساؤل .

هاهو سيف عوني إبن مبدعنا الراحل الفنان عوني كرومي، بقامته وطلعته البهية على المسرح ،إشتد التصفيق لأن الإبن يكمل مسيرة الأب، عزف على العود، هل كان سيف يناجي أباه ؟ وهل سمعه الراقد قرب برتولد بريشت ؟ هل تحركت عظام عوني لدندنات نجله الجميلة ، وحساسية أصابعه وهي تتحول من وتر الى آخر ؟

تلا ذلك دقيقة صمت على أرواح من سقط من المثقفين والمواطنين العراقيين بحراب الإرهاب والمليشيات الطائفية والقومية المتعصبة، منذ سقوط النظام الفاشي حتى هذه اللحظة.

لتأتي بعدها كلمة الهيئة الإدارية التي نتمنى أن تكون أقصرفي المهرجانات القادمة، ، حيث رحب الأخ ناصر السماوي رئيس الهيئة الإدارية بالضيوف والحضور الكريم،فارشاً لنا ، خطة النادي وتوجهاته القادمة ومعوقات العمل وضعف الإمكانيات وما رافق ذلك من محاولات لرفد النادي ودعم المهرجان وغيرها مما لايمكن الحديث عنه في هذه العجالة. تلاه الأخ لطيف الحبيب ، شارحاً ما رافق تحضيرات المهرجان الخامس من معوقات ومشاكل ، بلغة مبسطة وصريحة وبروح كلها تفاؤل وعزم على المضي الى الأمام في إقامة مثل هذه الفعاليات.

عرض في اليوم الأول من المهرجان فلم ( حي بن يقظان ) للمخرج ثامر الزيدي ، كنت أتمنى لو نفذه فنانونا المبدعون رساموا الأطفال المعروفون وتساءلت مع نفسي أين طالب مكي ، بسّام فرج ، صلاح جياد ،، مؤيد نعمة ، علي المندلاوي، منصور البكري ، عبد الرحيم ياسر ، ضياء الحجار وغيرهم من هذا العمل الجميل وهو فلم للرسوم المتحركة ؟ استطاع الفنان ثامر من تقديم مادة جديدة لرفد عقل الطفل العراقي والعربي بمفاهيم تختلف عن مفاهيم أفلام الرسوم المتحركة التي تغزوا محطات التلفزيزن العربي والعراقي ، حيث ينتشر العنف والجريمة وأفكار البطل الذي لايقهر وغيرها من أفكار تلوث عقل وروح الطفل عندنا، حيث كان فلم الزيدي يعتمد على إستخدام العقل والتعلم من التجربة وتكوين صورة مبسطة لنشوء الحياة وغيرها من مفاهيم التطور والإرتقاء بحياة الناس، وبإسلوب شيق ومثير.

تلا ذلك ندوة عن ثقافة الطفل ومكوناتها وتجربة الفنانين العراقيين الذين مارسوا الرسم والكتابة للطفل العراقي. شارك فيها الفنان ثامر الزيدي والفنان منصور البكري والفنان فيصل لعيبي الذي أدارها وشارك فيها. لقد طرحت أفكار عديدة في هذا المحور ، وتساءل العديد من الحضور الكريم عن مستقبل أدب الأطفال في ظروف هيمنة الفكر المتخلف والطائفي والعرقي المتعصبين، وما آل أليه الوضع الثقافي في العراق ، ومن المفرح جداً هنا، حضور مجموعة من اليافعين المتفوقين في دراستهم من الطلبة العراقيين الذين استضافتهم جمعية الصداقة العراقية – الألمانية ، الى المهرجان، حيث تعرف بعضهم على الفنانين منصور البكري وفيصل لعيبي اللذين كانا من رسامي مجلة مجلتي وجريدة المزمارفي السبعينات والثمانينات ، وذكروا لهما تدهور مجلتي بعد ذلك ووصولها الى المستوى الحالي الذي لا يسر أحداً.

في المساء ، كان الجو محتدماً ومفعماً بالحذر والترقب ، فالأمسية تخص أبرز شاعر عراقي وعربي معاصر ومن أكثرهم مشاكسةً لما يجري اليوم في العراق، لقد فرحت كثيراً لهذه الإلتفاتة الذكية من الهيئة التحضيرية للمهرجان ، إذ كسرت الطوق الذي يحاول البعض فرضه على هذا الشاعر الكبير ، بسبب مواقفه الصريحة مما يجري في العراق، وفرحت أكثر عندما لبى شاعرنا المبدع الدعوة .

بقامته المديدة وحضوره المهيب ووجهه الحزين ، جلس الشاعر سعدي يوسف والى جانبه يجلس الشاعر حميد الخاقاني، وهو مضظرب من الفرح ومسرور من إختياره كمقدم وناقد لتجربة سعدي وإشكالية العلاقة بين السياسي والمثقف المستمرة.

لاتحلو مثل هذه اللحظات بدون الموسيقى ، لحظات نادرة بحضرة شاعر مهم وناقد جدي وحضور جمهور فطن ومناسبة للثقافة العراقية الرصينة ، هكذا امتد قوس آلة الجلو وراح ينوح على أيامنا بقطع موسيقية تناسب المقام وموضوعات قصائد سعدي الذكية.

كانت مداخلة العزيز حميد الخاقاني ، جذرية وذات منحى نقدي أصيل ، إذ لامس بها ما يشغلنا جميعاً في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ العراق ،ذاكراً بتواضع المثقف الجاد تتلمذه على قصائد أبي حيدر البسيطة والعميقة معاً.

لم يفت سعدي أن يذكر صديقه الفنان الرقيق إبراهيم الجزائري، الذي ألتقاه في نقرة السلمان بعد إنقلاب شباط الأسود، والتنويه عن محاولات هذا الفنان الأولية في الرسم في سجن النقرة آنذاك، كانت إلتفاتته قد أعادت لإبراهيم ألقه الذي أفقدته أيام الغربة الكثير منه، فرأيته مبتسماً شاكراً لسعدي هذه اللفتة التي قد يجهلها العديد ممن حضر المهرجان، لكني تمتمت مع نفسي قائلاً :" هاي شراح يخلصنا ؟ هو ابراهيم بليه شي الله ما يحمله ، إنوب هاي ؟" ولكن من المفيد هنا ، أن اذكر تلك الصور التي رأيتها شخصياً يوم إعتقال إبراهيم ، حيث مرت سيارة الجيب من قربي ، في ساحة ام البروم الشهيرة بمدينة البصرة ، وما أن رآني العزيز إبراهيم حتى صاح بي : عيوني فيصولي بلّغ الأهل بإعتقالي. كان مقيداً وهو يجلس بين رجال الأمن ، بينما السيارة تبتعد عني وصورته كذلك ، فهل يمكن أن نتجاهل أوراق التاريخ هذه ؟.



لماذا لا أكتب عن كارل ماركس ؟ هكذا تساءل سعدي وهو يلقي علينا كلماته الصادقة عن ذلك المفكر الثوري الذي هزّ أوربا وعروشها وكل كهّان الظلام والإستغلال في العالم ولا يزال . قرأ القليل من القصائد وأعطانا الكثير من المعاني . هكذا هو سعدي تختلف معه ولكنك تحبه، قد يزعجه إختلافك معه لكنه يدرك حرصك عليه .



****************





في اليوم الثاني، كانت البداية مع مكتبة هيثم الطعّان نجل الأستاذ هاشم الطعّان ، المربي والأديب الذي يعرفه الوسط الثقافي الديموقراطي العراقي جيداً. تنوعت مواضيع المكتبة ، لكنها كانت مرتفعة الأسعار ، علقت عليها بالقول أسعار مصلاوية ، ضحك العزيز ناصر خزعل الذي كان يجلس بين الكتب مؤيداً رأي .





بعدها جاء إفتتاح المعرض التشكيلي الذي ضم مجموعة من أعمال الفنانين العراقيين المشاركين في المعرض، حيث يتصدر المعرض الفنانون نسرين شابا، إيمان علي خالد ، صلاح جياد ، علي فنجان ، داود عناد ، إبراهيم الجزائري والراحل أحمد الأمير، إضافة للفنانين منصور البكري ، يونس العزاوي، رياض البزاز، أحمد الشرع ،فهمي بالاي ، صفاء حسين ، إفتتح المعرض الفنان فيصل لعيبي وألقى كلمة قصيرة حول أهمية الفن التشكيلي العراقي وعلاقة ذلك بالتطور الحاصل في مجتمع الخمسينات من القرن الماضي منوهاً الى ما اسماه بالمعجزة العراقية ، التي تتكون من الفن الحديث والشعر الحديث والفكر المعاصر الذي نما وترعرع آنذاك .

كان المعرض يعكس ملامح الفن العراقي بجوانبه المختلفة ، حيث التجريب والموضوع الجاد مع الحداثة والعلاقة بالبيئة .

ملاحظة أولى:

لم أستطع حضور ندوة الكاتبة والفنانة سالمة صالح مع الأسف، لظرف طاريء منعني عنها، لهذا أعتذر لها هنا واتمنى ان يكتب أحد الحاضرين عن محتوياتها وفكرتها الرئيسية



بعدها جاءت محاضرة الشاعر البارز والمعروف الدكتور صلاح نيازي، عن الروائي السوداني الأبرز الطيب صالح، قدم المحاضر وساهم في المداخلة الدكتور السوداني حامد فضل الله ، الذي قدم نفسه كأحد أصدقاء الشعب العراقي والمقرب من العراقيين في ألمانيا، كانت مداخلة الشاعر صلاح تشير الى إشكالية المثقف المغترب وتناقضات البيئة الجديدة مع تقاليد الوطن الأم ،ليس هذا فقط بل إشكالية التلائم مع الوطن الأم بعد تشربه بتقاليد بلد الغربة ومناخاته التي تداخلت مع تقاليد البيئةالسابقة في البلد الأصلي، وقد أكد ذلك أيضاً الدكتور حامد فتح الله.



ثم تلا ذلك محاضرة بعنوان : الثقافة العراقية بين نعيم التنوع وجحيم النظرة الإحادية ، شارك فيها كل من الدكتور صادق إطيمش والدكتور حميد الخاقاني وقدمها الدكتور كاظم حبيب، تطرق المحاضران الى عقبات الثقافة العراقية بعد سقوط النظام السابق وتدهور القيم المعرفية في الوقت الحاضر وإنحسارها في الإخدود الطائفي والعنصري ، مما أدى الى ظهور ملامح ثقافية تدعو الى الإرتداد نحو قيم القرون الوسطى، وجرت مداخلات وأسئلة مدت من سعة أفق المحاضرة وساهمت في تحديد بعض من مهمات المثقف الحالية للوقوف بوجه مثل هذه الدوافع المريضة التي تسلقت جدران الثقافة العراقية العالية.





****************



ملاحظة ثانية :

في اليوم الثالث، كان موعدنامع الدكتورة ماركريت فان أس حول حضارة وادي الرافدين، لم أستطع حضورها أيضاً ، لظروف خاصة – هاي علينه ياظروف خاصة ؟ - وأتمنى أن يغطي هذا النقص احد الأصدقاء الذين حضروا ويرغب في الكتابة عن المهرجان .



جاءت بعدها محاضرة الكاتب والصحفي ماجد الخطيب عن الشاعر الألماني هاينريش هاينه والروح الساخرة والرومانسية لديه، وبتقديم مكثف ونافع قام به الدكتور ممتاز كريدي، لتضيف لمعلوماتنا ما كان خافياً على العديد منا ، حيث تطرق الى معاناة الشاعر والإقصاء الذي تعرض له وكذلك ما لاقاه في بيته من مشاكل زادت من عذاباته المتتالية. وهاينه هذا لايختلف عن مثقفينا الذين عانوا من الأقصاء والتعتيم وحتى المنع من دخول نتاجاتهم الى العراق أثناء حكم الطاغية صدام حسين وحزبه الحاكم.

في واحة الشعر تألق الشعراء يتبعهم الغاوون الى سماء الكلمة الصادقة والمعبرة والثاقبة، هنا تجلّت مقدرة الروح العراقية بعنفوانها المنتظر ، فطارت بنا بلقيس الى هناك حيث عشبة الحياة التي غامر جلجامش بحياته للحصول عليها ثم عاد خائباً لايملك إلا التمتع بحياته وإسعاد من حوله ، فكانت سوق الشيوخ وعادت النوارس وغيرها من ياقوت كلامها الجميل . تلاها فناننا الكبير و الشاعر طالب غالي بقصائد عن الوطن والفقيد مرتضى مع كلمات عذبة الى ام لنا أثارت غيرة الزوجات الحاضرات وحرج الأزواج الذين لايتكلمون عن زوجاتهم بمثل ما تلفظ فيه الفنان طالب، جاء بعده الشاعر عدنان محسن ليدير زاوية القصيدة باتجاه السؤال الوجودي المر الذي لا نملك جواباً شافياً له.معرضاً وضعنا العام للمساءلة !!!

لايزال الشعر يرتل علينا بأصوات الشعراء العذبة ، ها هو الشاعر علي الشعلان بقصائده القصيرة والنابتة وأسئلتها المحيرة، ثم الشاعر محمد الجاسم الذي أشار في قصائده الى حال العراق اليوم وثقل الأحمال التي ينوء تحتها الوطن، وكان مسك الختام للشاعرعبد الباقي فرج، الذي رثى أخاه وتساءل عن جدوى الثلاثين عاماً التي قضاها (أبو سعيد) بانتظار المعجزة .

تحوّل الشعربعد ذلك الى ما أسماه الفنان طه رشيد بالشعر العراقي لكتابته باللهجة العراقية وقدم تبريره المقنع ليبقى الشعر سيد الموقف، فيدهشنا الشاعر كامل الركابي بقصائده التي تشبه البرقيات ، عن النبيذ والمحبة والحريق والأسوار وآخر صيف التي يتقطر منها " مدبّس" الكلمات، يليه الشاعر سامي عبد المنعم الذي هزنا بقصيدته عن كامل شياع وأختها عن بغداد.









***************

كان يوم 23 آب هو يوم الختام وبه تم توديع الضيوف وتعانقت العواطف قبل إلتقاء الأيدي ومصافحات الأكف،ولوعة النظرات التي تعرف ان لقاء الأحبة قد شارف على الإنتهاء فلكل أجل كتاب .

كانت الفقرة الأولى لهذا اليوم ، هي مسرحية :( إشتعال .. إنطفاء ) ، وهي من تأليف وتمثيل الفنان صالح حسن فارس وإخراج الفنانة كيتا هاخام، وهي من نوع مسرح الممثل الواحد. كشفت هذه المسرحية القدرة والمرونة التي يتمتع بها الفنان صالح ، كما أعطتنا صورة واضحةعن تجاذبات الروح بين البقاء والرحيل حيث يرتبط الإنسان بأكثر من وشيجة مع وجود أكثر من سبب للرحيل ، فعكست الحيرة وأزمة الضمير والتوق الى الحرية .



جاء محور الحزن في الأغنية العراقية، الذي أشترك فيه الفنان طالب غالي مع الشاعر والصحفي داود أمين ، وقد تناوبا على تقديم النماذج الكلامية واللحنية، التي إقتربت أحياناً من الطقوس الدينية عندنا نحن العراقيون . فتعرفنا على مصادرها ومنابع هذا النواح البعيد الغوروالممتد حتى أيام جلجامش وبكاء عشتار على تموز.



كان هذا المهرجان قد قررتكريم الفنان الرائد محمود صبري ، ولهذا خصصت فقرة للحديث عن أهمية إبداع هذا الفنان ودوره في الحركة الفنية، وقد اشترك كل من الفنان والناقد كفاح الحبيب والفنان فيصل لعيبي في تناول هذه التجربة الفريدة ، بعد عرض فلم عكس الضوء للفنان قتيبة الجنابي الذي قدّم التجربة من خلال مشاهد ولقطات لحياة الفنان ولبعض أعماله التي أنجزها وخاصة نتاجات واقعية الكم وما رافقها من تجارب.



وقبل ان تنطلق النفوس الى عالمها الأرحب في أجواء اللحن الجميل والكلمة المعبرة لسهرة اليوم الأخير ، تقدم الأخ ناصر خزعل ليلقي كلمة الختام التي ارتجلها معبراً فيها عن سرور إدار المهرجان بحضور مثل هذه الوجوه الى برلين لتضفي على المهرجان ألق الثقافة العراقية الرحيبة والمتنوعة المصادر، داعياً الجميع بالتمتع بلحظات المهرجان الأخير حتى النهاية, كما عبر عن شكره للذين ساهموا في إنجاح هذه الفعالية وبذلوا ما بوسعهم لجعل المهرجان بهذا المستوى من التنظيم والتنسيق.



اقترب الحفل الساهر ، فشعت الوجوه وانتشر الفرح على محيا الجميع ، وبدأت دندنات الروح مع دندنات آلات الموسيقى، كان سيف عوني مرة ثانية يقف امامنا، ليفتح الطريق الى النفوس التي تنتظر النشوة وتحلم بلحن الخلود ، تلته( فرقة إلاندأراب ) للفنان الجزائري الأمين بلعلي والفنانة حنان شموتي ، بموشحات أندلسية وشامية وألحان جزائرية وعراقية ومصرية، جعلت الناس سكارى وما هم بسكارى ، ثم جاء دور الفنان السوري مروان كرجوسلي ، ليشنف الآّّذان بالطرب الأصيل ، سيد درويش ، زكريا احمد ، قدود حلبية وأغان شامية من قلب الطرب الشرقي الممتد فينا منذ الأزل.

ثم طلّ الفنان الكبير طالب غالي ، هذا الذي يحمل بين جنبيه حزن العراقيين وأفراحهم التي لاتنضب، فأخذنا معه الى عوالم المحبة والشوق والحنين لتلك الديار وتلكم الوجوه ، للعراق وسعفه والشط والمنحنى، هناك حيث تصدح الأرواح بحب لا يوصف وعزيمة لا تلين ، ماذا أقول بعد كل هذا ؟

الشمس أجمل في بلادي والظلام .... حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق.





هوامش لابد منها



كانت أمسيات المجمّع الذي يسكنه الضيوف استمراراً للمتعة البريئة التي رافقت النشاطات التي تمت في مكان المهرجان الرئيسي، حيث تأخذ النفوس قسطها من الحرية لتنطلق على سجيتها وليظهر كل واحد منا مواهبه الخفية، فكانت الأغاني والنكات والعفوية في التعامل مع بعضنا ، فالنصب والمقالب الأخوية تأخذ مداها الجميل، فلا زعل ولا عتاب وكما يقول المثل العراقي بين الأحباب تسقط الآداب، فكان ابراهيم الجزائري (جوكر) الأماسي ، لم يترك أحد دون أن يقبله ويعانقه ويحكي له حكاية كان قد سمعها قبل قليل منه.

كما تجلّت طاقات في الغناء والرقص ، فاكتشفنا الرقص البصري من خلال الكاتب ماجد الخطيب الذي أذهل الجميع بحركات لا يجيدها حتى تومان البصري، وغنت بلقيس أوبريت كامل من اوبريتات فيروز مع فخرية كما شاركت الجميع أغانيهم بصوتها الجميل لكنها تمتمت بعد ذلك بزعل بأنها لم تأخذ حقها في الغناء – ناصرية - منويقدر عليهم.

في هذه الأماسي أيضاً تم الإحتفال بيوم ميلاد الشاعر المجدد مؤيد الراوي وألقيت كلمات من قبل أصدقائه ، فتحدث فيصل لعيبي عن علاقته به والتي تمتد الى عام 1966 ، حيث عملا معاً في صحافة ذلك الزمان وتحدث كذلك الشاعر حميد الخاقاني وذكرياته عن مؤيد، كما تحدثت فخرية زوجة الشاعر أيضاً عن رحلتهما المشتركة في الحياة,

لقد تحدث الشاعر مؤيد أيضاً شاكراً الأصدقاء ونادي الرافدين وبكلمات جميلة فيها من الطرافة والمعاني ما جعلته يقول ، بأنه عاش ما يقارب ال150 عاماً بالحساب العراقي، لأن سنين العراقيين مضاعفة بالضرورة لما تحمله من معاناة فوق طاقة البشر.

وفي هذه الليالي فقد وفد فرنسا، أحد أعضاءه بسبب هفوة أدت الى كسر عضده عندما حاول اجتياز ثلاث درجات بقفزة واحدة بدون معلم ، فرقد في المستشفى ولم يرى من المهرجان غير الزوار من الضيوف الذين زاروه في المستشفى، ففقدت تلك الليالي واحداً من أرق الضيوف وأكثرهم هدوءاً.

لندن في 1 ايلول 2009